الشيخ محمد هادي معرفة
478
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
تُحصى ، فصنّف كتابا سمّاه « القَعِرَة والشَفِرَة » « 1 » وآخر سمّاه « مفاخرة الشتاء والصيف » إلى أشباه هذا كثيرة ، صعد فيها وصوب ، وشرّق وغرّب ، وحشاها بما لا حاجة للخلق فيه إلى معرفته . ثمّ لمّا آل الأمر إلى بيان وجه الإعجاز على التفصيل آية فآية وسورة فسورة ، ضمَّ شفتيه ضمّا ، وختم على لسانه ختما ، فلم ينبس بكلمة أو كلمتين ورضي من الغنيمة بالإياب . « 2 » وإذ صَحَّ أنّ السلف رحمهم اللّه مع تقدّم الخواص منهم في علم البيان ، والتبحّر في الإحاطة بحقائق المعاني ، وصدق رغبتهم في إحراز الثواب ، وحاجتهم إلى أن يكون لهم لسان صدق في الآخرين ممرّ الأحقاب ، لم يشتغلوا ببيان الإعجاز على التفصيل في كلّ آية منه ، بل أعرضوا عن ذلك بواحدة مع أنّهم أشاروا إلى ذلك على سبيل الإجمال ، والحال لا تخلو إمّا أن يقال خَفي عليهم وجه الإعجاز على التفصيل على هذا الوجه فلم يقِفُوا عليه ولم يهتدوا إليه ، أوْ لا . فإن قيل : خَفي عليهم ولم يقِفوا عليه ولم يجدوا طريقا إليه . فيقال : إذا مؤونة البحث والتنقير عنهم ساقطة ، ووجوه العذر لهم في الإعراض عن ذلك ظاهرة . ولئن لم يخفَ عليهم فَلِمَ لَم يصرفوا معظم همّهم إلى هذا الأمر العظيم ، والخطب الجسيم ، فيصنّفوا ويشرحوا كما صنّفوا في فروع الأحكام من الحلال والحرام ، وصنّفوا في فروع الكلام ، فلم يبق إلّا أن يقال : أحدث في الكلّ منعا منعهم عن ذلك لمصلحة رآها فيه . فهذه عدّة أسئلة فليتفضّل أدام اللّه علوّه بالإجابة عنها ، واللّه يعصمه من الخطأ والزلل ، ويوفّقه لإصابة القول والعمل ، إنّه على ما يشاء قدير . ( تمّت ) .
--> ( 1 ) - امرأة قعرة وقعيرة : بعيدة الشهوة ، عن اللحياني . وقيل : هي التي تجد الغُلمة في قعر فرجها . وقيل : هي التي تريد المبالغة . وقيل : نعت سوء في الجماع . والشفِرّة والشفيرة من النساء : التي تجد شهوتها في شفرها فيجيء ماؤها سريعا . وقيل : هي التي تقنع من النكاح بأيسره ، وهي نقيض القعيرة . ( 2 ) - مثل سائر ، أول من قاله امرؤ القيس بن حجر في بيت له ، وهو : وقد طوَّفتُ في الآفاق حتى رضيتُ من الغنيمة بالإياب يضرب عند القناعة بالسلامة . مجمع الأمثال ، ج 1 ، ص 295 ، رقم 1560 .